خروج المحكم من هيئة التحكيم: متى يكون الانسحاب سببًا للبطلان، ومتى يرتد بلا أثر؟

خروج المحكم من هيئة التحكيم: متى يكون الانسحاب سببًا للبطلان، ومتى يرتد بلا أثر؟

نبذة عن المؤلف

د. بشار المفدى

خبير في القانون التجاري والشركات، والمحامي والشريك المدير في شركة بي أو إم للمحاماة والاستشارات القانونية، ووكيل وزارة العدل السعودية للأنظمة والتعاون الدولي سابقًا، وأستاذ القانون التجاري في المعهد العالي للقضاء سابقًا.

تثير الممارسة التحكيمية في الآونة الأخيرة إشكالا دقيقا يتصل بسلامة تشكيل هيئة التحكيم لحظة إصدار حكمها: أن يتجه أكثرية أعضاء الهيئة إلى رأي يخالف رأي أحدهم، فيبادر هذا العضو - قبيل النطق بالحكم - إلى الانسحاب أو التنحي. والسؤال الذي يستدعيه هذا التصرف ليس نظريا؛ إذ يترتب على الإجابة عنه مصير حكم قد يكون استغرق شهورا من الإجراءات والملايين من قيمة النزاع: فهل يهدم انسحاب المحكم الواحد ما انعقدت عليه إرادة الأغلبية، أم يمضي الحكم نافذا رغم هذا الانسحاب؟

متى يُتدارك خروج المحكم بتعيين بديل؟

يقتضي الجواب تحرير الإطار النظامي الذي رسمه المنظم السعودي لخروج المحكم من الهيئة. فالمنظم لم يترك هذا الخروج لمشيئة المحكم أو الخصوم، بل حصره في مسارات منضبطة: الرد لقيام ظروف تثير شكوكا جدية في حياد المحكم أو استقلاله وفق المادتين (السادسة عشرة) و(السابعة عشرة)؛ والعزل عند تعذر أداء المهمة أو الانقطاع عنها على النحو المبين في المادة (الثامنة عشرة)؛ والتنحي، والوفاة، والعجز. وقد جمع المنظم هذه الأسباب جميعا في حكم واحد نصت عليه المادة (التاسعة عشرة) من نظام التحكيم، إذ قررت أنه "إذا انتهت مهمة المحكم بوفاته، أو برده، أو عزله، أو تنحيه، أو عجزه، أو لأي سبب آخر، وجب تعيين بديل له طبقا للإجراءات التي اتبعت في اختيار المحكم الذي انتهت مهمته". وأردفتها المادة (السادسة) من اللائحة التنفيذية بأن توقف إجراءات التحكيم - في غير حالة الرد - إلى أن يعين المحكم البديل.

‍

ومقتضى هذا النظم أن خروج المحكم، في أصله، واقعة قابلة للعلاج لا سببا للانهيار؛ فالمنظم صمم المادة (التاسعة عشرة) لتكون صمام استمرار يحول دون تعطيل الخصومة بخروج أحد أعضاء الهيئة، بأن يستبدل المحكم ويستأنف السير. غير أن كفاءة هذا العلاج مرهونة بتوقيت الخروج؛ فما دام الانسحاب واقعا في مرحلة سابقة على اكتمال المداولة، أمكن تداركه بالتعيين والاستئناف. أما إذا وقع بعد أن تكون الهيئة قد فرغت من مداولتها وقف باب المرافعة، فإن إعمال قاعدة الاستبدال يفقد محله، وينتقل موضع الإشكال من علاج إجرائي إلى مسألة تكييف دقيقة: هل صدر الحكم عن هيئة ناقصة، أم عن هيئة مكتملة امتنع أحد أعضائها عن التوقيع؟

‍

أثر انسحاب المحكم في صحة حكم التحكيم

وهنا يبرز التمييز الذي عليه مدار الأمر. فالمادة (الثالثة عشرة) توجب أن يكون تشكيل الهيئة قائما بنصابه، والمادة (الثانية والأربعون) في فقرتها الأولى تبين أثر اختلال هذا النصاب لحظة التوقيع، إذ نصت على أنه "يصدر حكم التحكيم كتابة ويكون مسببا، ويوقعه المحكمون، وفي حالة تشكيل هيئة التحكيم من أكثر من محكم واحد يكتفى بتوقيعات أغلبية المحكمين بشرط أن يثبت في محضر القضية أسباب عدم توقيع الأقلية". ومفاد هذا النص أن امتناع المحكم المخالف عن التوقيع - ولو اتخذ صورة الانسحاب - لا ينال من صحة الحكم متى صدر بأغلبية أعضاء الهيئة، ما دام سبب عدم التوقيع مثبتا في المحضر. فالعبرة بلحظة قفل باب المرافعة لا بلحظة التوقيع الشكلي؛ ومتى انعقد الحكم صحيحا، لم يعد بيد المحكم المنسحب أداة لهدمه.

موقف المحكمة العليا من تنحي المحكم بعد قفل باب المرافعة

وهذا التمييز عينه هو ما جرى تطبيقه في نزاع فصلت فيه المحكمة العليا مؤخرا بين شركتين في القضية. فقد تنحى أحد أعضاء الهيئة الثلاثية بعد قفل باب المرافعة، واستمرت الهيئة في إصدار الحكم مع إعمال ما تضمنته المادة (الثانية والأربعون) من النظام، فذهبت الدائرة التجارية الثالثة بالدمام إلى إبطال حكم التحكيم بحسبانه صادرا عن هيئة غير مكتملة النصاب ومخالفا لاتفاق الطرفين على تشكيلها من رئيس وعضوين، مستندة إلى المادة (الخمسين) من النظام. غير أن المحكمة العليا نقضت هذا القضاء، ورأت أن الدائرة أخطأت في تكييف واقعة التنحي حين افترضت أنه أفضى إلى نقص في التشكيل؛ إذ إن العبرة بما إذا كان بعد قفل باب المرافعة، فإن ثبت ذلك فلا أثر لتنحي العضو أو امتناعه عن التوقيع، عملا بما تجيزه المادة (الثانية والأربعون) من الاكتفاء بتوقيعات الأغلبية. فلم يكن مناط الخطأ في النص النظامي، وإنما في تنزيله على الواقعة: أسبق التنحي إقفال باب المرافعة فأبطله، أم تلاه فلم يؤثر فيه؟

‍

ويستخلص من ذلك أن توقيت خروج المحكم هو الفيصل بين حكم نافذ وحكم باطل. فعلى هيئة التحكيم، تحصينا لحكمها، أن تعنى بإثبات لحظة قفل باب المرافعة، والعناية ببيان سبب عدم توقيع المخالف على النحو الذي اشترطته المادة (الثانية والأربعون)؛ فبهذا الإثبات وحده يقطع الطريق على من يبتغي الطعن في الحكم بدعوى نقص التشكيل. وعلى المحكم أن يدرك، في المقابل، أن بطلان الحكم لا ينال بانسحاب متأخر يقع بعد قفل باب المرافعة.

‍

بقلم: د. بشار المفدى✍️

‍

‍

‍

توسّع في بحث مسائل التحكيم وأحكامه القضائية عبر منصة «قانونية».

‍

‍

جدول المحتويات

جدول المحتويات

نبذة عن المؤلف

د. بشار المفدى

خبير في القانون التجاري والشركات، والمحامي والشريك المدير في شركة بي أو إم للمحاماة والاستشارات القانونية، ووكيل وزارة العدل السعودية للأنظمة والتعاون الدولي سابقًا، وأستاذ القانون التجاري في المعهد العالي للقضاء سابقًا.

د. بشار المفدى

خبير في القانون التجاري والشركات، والمحامي والشريك المدير في شركة بي أو إم للمحاماة والاستشارات القانونية، ووكيل وزارة العدل السعودية للأنظمة والتعاون الدولي سابقًا، وأستاذ القانون التجاري في المعهد العالي للقضاء سابقًا.

اطلع على جميع المقالات