واجب الدفاع عن العقيدة والمجتمع والوطن في النظام الأساسي للحكم

عمر بازمول
October 15, 2026
October 15, 2026
October 15, 2026
تمت المراجعة بواسطة
أثير الزهراني
نبذة عن المؤلف

عمر بازمول
أخصائي قانوني، مدير فريق المحتوى القانوني في قانونية، مهتم بصياغة التشريعات والتقنية القانونية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي لبناء حلول معرفية تُسهّل الوصول إلى الأنظمة.
تنص المادة الرابعة والثلاثون من النظام الأساسي للحكم، الصادر بالأمر الملكي رقم (أ/90) وتاريخ 27/8/1412هـ، على أن: «الدفاع عن العقيدة الإسلامية، والمجتمع، والوطن واجب على كل مواطن، ويبين النظام أحكام الخدمة العسكرية».
تقرر هذه المادة مبدأً دستوريًا مؤدّاه أن الدفاع عن المقومات الأساسية للدولة ليس مسؤولية أجهزتها وحدها، بل هو واجب عام يقع على عاتق كل مواطن؛ فالمواطنة لا تقتصر على التمتع بالحقوق التي تكفلها الدولة، وإنما تقابلها واجبات تجاه الدولة والمجتمع، يأتي في مقدمتها واجب الدفاع عنهما وحماية مقوماتهما الأساسية.
محل الدفاع وصوره
وقد حددت المادة محل هذا الواجب في ثلاثة عناصر: العقيدة الإسلامية، والمجتمع، والوطن. ويكشف هذا التعداد عن مفهوم واسع للدفاع، لا ينحصر بالضرورة في حماية الحدود ومواجهة العدوان المسلح، بل يشمل من حيث الغاية حماية المقومات الدينية والاجتماعية والوطنية للدولة، ومواجهة ما يهدد أمنها واستقرارها، وفق الوسائل المشروعة التي تقررها الأنظمة.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن يتخذ الدفاع صورًا غير عسكرية، من بينها الدفاع بالكلمة، من خلال نشر الوعي، وتصحيح المعلومات المضللة، والرد على الادعاءات غير الصحيحة، وبيان الحقائق التي تتصل بأمن الوطن ومصالحه. فالكلمة قد تكون وسيلة لحماية المجتمع وصيانة وحدته، خصوصًا في ظل اتساع تأثير وسائل الإعلام والمنصات الرقمية في تشكيل الرأي العام. ولا يعني ذلك أن المادة تفرض على المواطن التزامًا نظاميًا مستقلًا بالتعبير أو تبني موقف معين، وإنما أن الإسهام بالكلمة يمكن أن يكون إحدى صور أداء المسؤولية الوطنية التي يقررها النص في مفهومه العام.
ويجد هذا المعنى ما يعززه في المادة الثانية عشرة من النظام الأساسي للحكم، التي تجعل تعزيز الوحدة الوطنية واجبًا، وفي المادة التاسعة والثلاثين التي تلزم وسائل الإعلام والنشر وجميع وسائل التعبير بالكلمة الطيبة وأنظمة الدولة، وتجعل من وظائفها الإسهام في تثقيف الأمة ودعم وحدتها. وبذلك، فإن الدفاع بالكلمة لا ينفصل عن المسؤولية في ممارستها؛ فلا تكون حماية الوطن مبررًا لنشر معلومات غير صحيحة أو الاعتداء على حقوق الآخرين وكرامتهم. كما ينبغي التمييز بين الإضرار بالمصالح الوطنية وبين النقد الموضوعي للممارسات والسياسات العامة، إذ قد يكون النقد المسؤول، القائم على الحقائق والهادف إلى الإصلاح، من صور الإسهام في خدمة المجتمع وحماية مصالحه.
كيف تتكامل مسؤولية الدولة والمواطن في الدفاع؟
وتتكامل المادة الرابعة والثلاثون مع المادة الثالثة والثلاثين من النظام الأساسي للحكم، التي تقرر مسؤولية الدولة عن إنشاء القوات المسلحة وتجهيزها للدفاع عن العقيدة والحرمين الشريفين والمجتمع والوطن. ومن مجموع النصين يتضح توزيع المسؤولية الدستورية؛ فالدولة تتولى الجانب المؤسسي للدفاع بإنشاء القوات المسلحة وتجهيزها، بينما يتحمل المواطن واجب الدفاع بوصفه التزامًا دستوريًا عامًا، تتعدد صور الإسهام في تحقيق غايته بحسب ما تقرره الأنظمة.
ما الحدود النظامية لواجب الدفاع؟
أما عبارة «ويبين النظام أحكام الخدمة العسكرية»، فتتضمن إحالة إلى المنظّم لتحديد الأحكام التفصيلية للخدمة العسكرية، بما في ذلك شروط الالتحاق بها، والحقوق والالتزامات المترتبة عليها، وأسباب انتهائها. ومن أبرز الأنظمة المتصلة بهذا الجانب نظام خدمة الضباط، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/43) وتاريخ 28/8/1393هـ، ونظام خدمة الأفراد، الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/9) وتاريخ 24/3/1397هـ، اللذان ينظمان الأوضاع النظامية للفئات العسكرية الخاضعة لأحكامهما.
وهنا ينبغي التمييز بين تقرير الواجب الدستوري وتنظيم آثاره القانونية؛ فالمادة تقرر أصل واجب الدفاع، لكنها لا تفرض بذاتها تجنيدًا إلزاميًا عامًا على جميع المواطنين، ولا تحدد شروطه أو مدته أو الإعفاءات منه. كما أن تقرير الواجب الدستوري لا يكفي وحده لفرض عقوبة على مخالفته، وإنما يتطلب ذلك سندًا شرعيًا أو نظاميًا وفقًا لما تقرره المادة الثامنة والثلاثون من النظام الأساسي للحكم.
وعليه، فإن القيمة الدستورية للمادة الرابعة والثلاثين تتمثل في إقرار الدفاع عن العقيدة الإسلامية والمجتمع والوطن بوصفه أحد الواجبات الأساسية للمواطنة، وهو واجب تتجاوز غايته الجانب العسكري إلى حماية المقومات التي تقوم عليها الدولة، ويمكن أن تسهم الكلمة المسؤولة في تحقيق هذه الغاية. ومع ذلك، يبقى تحديد الالتزامات القانونية المترتبة على هذا الواجب وحدودها وآثارها منوطًا بالأنظمة المختصة، فلا يصح استخلاص تكاليف أو جزاءات محددة من عموم النص الدستوري وحده.




.webp)
.png)