التقنية القانونية (Legal-Tech) .. ولادة سوق جديد بالكامل

ندى المقبل
July 27, 2026
July 27, 2026
July 27, 2026
تمت المراجعة بواسطة
أثير الزهراني
نبذة عن المؤلف

ندى المقبل
أخصائية قانونية - مختصة ملكية فكرية - مهتمة بالدراسات والبحوث القانونية
أنا مستعدة اليوم لأخرج وأشارككم بهذه القناعة، ومتأكدة أنها ليست تنظيرًا أو قراءةً عابرةً للمستقبل، هي نتيجة لتجربة حية عشتها بالكامل؛ فبعد 3 سنوات من خوضي تجربة العمل في قلب منطقة تقاطع أهم مجالين في عصرنا، ألا وهما القانون والتقنية، أثبتت لي الأيام أن التقنية القانونية قلبت موازين العمل والتجارة، انتقلت من مجرد أداة للأتمتة إلى ولادة سوق جديد ومختلف كليًا.
هذه السنوات الثلاث كانت كفيلة بإعادة تشكيل جذرية للمفهوم القانوني التقليدي، وتحديداً من خلال ثلاثة ملامح رئيسية صنعت هذا السوق:
.jpg)
أولًا: حوّلت المعرفة إلى منتج مستدام
تغيّرت ملامح نموذج العمل التجاري فلم يعد دخل القانوني مرهونًا بساعات عمله وجهده البدني، فاليوم نجحت التقنية في "تعبئة" معرفة الأنظمة وصياغتها في منصات ذكية وقواعد بيانات مؤتمتة تُقدم كخدمات اشتراك (SaaS)، مما خلق قيمة اقتصادية قابلة للتوسع والتمدد. فعلى سبيل المثال جاءك عميل يطلب "عقد شراكة وتأسيس لشركة تقنية ناشئة"، ستقوم بالجلوس معه، وفهم متطلباته، ثم كتابة العقد بندًا بندًا بناءً على نظام الشركات الجديد.
هذه العملية قد تستغرق منك 5 ساعات عمل مثلاً، وتتقاضى عليها مبلغًا محددًا، وعليه تكمن المشكلة في أن وقتك وجهدك البدني محدود أي تملك 24 ساعة في اليوم فقط، فلو جاءك 100 عميل في نفس الوقت، لن تتمكن من خدمتهم بنفسك، وإذا توقفت عن العمل أو مرضت -لا سمح الله- يتوقف الدخل تمامًا. هذا هو المقصود بالدخل المرهون بالساعات والجهد البشري بغض النظر عن اختلاف طلبات العملاء وعدد أعضاء الفريق التقليديين لديك. بل أننا سندخل في حلقة مفرغة كلما زاد الفريق وارتفعت التكاليف التشغيلية أما في سوق التقنية القانونية، الأتمتة والمنصات الذكية تكسر هذه المعادلة تماماً؛ فالمنظومة الرقمية تتعامل مع اختلاف طلبات آلاف العملاء وتنوعها في نفس اللحظة بكفاءة متناهية، ودون الحاجة لزيادة طردية في عدد الموظفين.
ثانيًا: عالجت النزاعات وحوّلتها إلى التزامات وقائية
في الوقت الحالي، برزت فجوة مواكبة الامتثال فوريًا مع الطفرة التشريعية المتسارعة التي نعيشها محليًا، هنا خلقت التقنية القانونية سوق "الالتزام الذكي"؛ بمعنى أن البرمجيات باتت تفحص المخاطر وتحدث الشروط آليًا مع كل نظام جديد، لينتقل دور القانوني من مُعالج للأزمات إلى مهندس للوقاية وحامٍ لاستمرارية الأعمال.
ثالثًا: ظهور جيل مهني تخصصي
سوق كهذا خلق وظائف ومسميات نوعية تجمع بين المنطق النظامي والمنطق البرمجي، فظهرت مسميات جديدة في الشركات التقنية الجديدة مثل مهندس الأنظمة القانونية (Legal Engineer) الذي يترجم النصوص إلى خوارزميات وشروط ذكية، وأخصائي العمليات القانونية (Legal Operations)الذي يركز على إدارة قطاع القانون كعمل تجاري مثل الإنتاجية، الميزانية، التقنية، والكفاءة أي يدير الإدارة القانونية بذهنية إدارة الأعمال. من الملاحظ أن هذه المسميات قد لا تكون ذات ظهور بشكل صريح وترجع أسباب هذا لاندماج المسمى تحت عباءة وظائف أخرى فتجد أن في كثير من الشركات السعودية الكبرى أو حتى الجهات الحكومية التي تمر بتحول رقمي، يُطلب من المستشار القانوني التقني أو مدير الحوكمة والالتزام أو أخصائي التميز المؤسسي في القطاع القانوني القيام بمهام "أخصائي العمليات القانونية" سالفة الذكر بشكل كامل دون منحهم المسمى الصريح. والسبب الآخر أن الشركات في السوق السعودي الآن تنمو بسرعة جنونية وقد يحتاج قسمها القانوني شيءٌ من الوقت لمجاراة هذه السرعة فتجدهم يطبقون المفهوم قبل اعتماد المسمى.
تطبيق هذا التخصص والخبرة النوعية وكما اسميه "المثلث الذهبي للتقنية القانونية" هو نتاج دمج ثلاثة أبعاد رئيسية تبحث عنها أي منظمة ذكية.
البُعد النظامي: بأن يتحوّل من عقلية القانوني التقليدي في فهم البيئة التشريعية السعودية، إلى القدرة على تفكيك هندسة نصوص الأنظمة واللوائح مثل نظام الشركات أو نظام المعاملات المدنية وتحويل اللوائح المعقدة إلى متطلبات التزام واضحة وقابلة للقياس وتحديد المتطلبات بدقة لا أن يقول للعميل هذا ممنوع وهذا مسموح!
البُعد التقني: ليس بالضرورة أن يكون القانوني هنا مبرمجًا يكتب الكود (Code) أو عارفًا بلغات البرمجة، عليه أن يملك "المنطق البرمجي"؛ أي يفهم كيف تفكر الآلة، وكيف تُبنى شروط الأتمتة المنطقية (إذا تحقق الشرط " أ "، يتم توليد البند "ب" تلقائيًا) قادرًا على تحويل النص النظامي الذي فككه في البُعد الأول إلى شروط منطقية تفهمها الآلة.
بُعد العمليات والأعمال: أي القدرة على قراءة الإدارة القانونية كـ "خط إنتاج" كأنها مصنع يحتاج إلى تسريع، وتقليص تكاليف، وتحديد مؤشرات أداء (KPIs) واضحة تخدم أهداف المنشأة الاستثمارية كتقليص وقت مراجعة عقود الموردين من 5 أيام إلى ساعتين عبر الأتمتة.
أختم قولي بأن المنطقة التي تجمع لغة الأنظمة، ولغة البرمجيات هي بلا شك ستكون منطقة ذهبية ومن يبني ويملك الخبرة في هذا المجال هو من سيقود السوق في الفترات القادمة؛ فالمنظمات والشركات الذكية اليوم لا تبحث عن شخص يفهم القانون فقط، ولا شخص يفهم التقنية فقط، هي تبحث عن نقطة الالتقاء بينها؛ لأن الشركات حين تكتشف حجم الوفرة المالية وكفاءة الوقت التي يحققها هذا التخصص، ستتوقف عن البحث عن قانوني تقليدي وتبدأ بالبحث عمّن جمع هذه الخبرة النوعية.
بقلم: ندى المقبل
هذا التحول لا يُقاس بكثرة الأدوات التقنية، وإنما بقدرتها على إعادة تصميم العمل القانوني نفسه. ومن هذه المساحة استخدم "قانونية" لتحويل المعرفة القانونية إلى تجربة عملية أكثر كفاءة.

.webp)
.webp)


.png)