مستقبل العمل القانوني: لماذا نحتاج إلى ذكاء اصطناعي مُغذّى بالمعرفة الصحيحة؟
.png)
أثير الزهراني
December 21, 2025
December 21, 2025
December 21, 2025
تمت المراجعة بواسطة
أثير الزهراني
نبذه عن المؤالف
.png)
أثير الزهراني
كاتبة محتوى قانوني، محامية سابقًا، أخصائية قانونية ضمن فريق شركة قانونية، مهتمة بالتقنية القانونية وتطوراتها.
ما هو الذكاء الاصطناعي؟
شهدت التقنيات الحديثة تطورًا متسارعًا، ومثل كل التطورات في جوانب الحياة، من لم يلحق بها ويسير معها سيبقى متأخرًا عمن لحقها واستعملها، وهذا أصل لا يكاد يُختلف عليه.
ويقع الذكاء الاصطناعي من ذلك كله في بداية السلّم، إذ تقوم آليته على قدرة كبيرة وسريعة جدا في التقاط المعلومة ومعالجتها استنادًا إلى مخزون معرفيّ سابق.
غير أن ذلك لا يلغي ما قد يواجه مستخدم الذكاء الاصطناعي من تحديات، وفي مقدمتها مخاطر المعلومة غير الدقيقة، كونه يستقي معلوماته ويضع تحليلاته بناء على المخزون الذي تغذّى منه.
فالاعتماد على ذكاء اصطناعي عام، يقوم على كمّ ضخم من البيانات المتباينة في صحتها وحداثتها، قد يفضي إلى مخرجات خاطئة. وذلك يشبه تمامًا ما يحدث للممارس القانوني حين يستند في عمله إلى نظام أجنبي لا يطبَّق في المملكة، أو حين يغيب عنه تحديث تشريعي جديد؛ فحينها تكون النتيجة بطبيعتها غير دقيقة.
لماذا تختلف النماذج القانونية المتخصصة عن الذكاء الاصطناعي العام؟
ومن هنا يظهر الفارق الجوهري بين النماذج القانونية المتخصصة، وبين نماذج الذكاء الاصطناعي العامة. فقانونية AI يقوم على تغذية معرفية دقيقة، محدثة، ومعتمدة على المصادر النظامية السعودية، بما يضمن اتساق المخرجات مع الإطار النظامي المحلي وموثوقية التطبيق.
أما نماذج الذكاء الاصطناعي العامة، فمهما كان الغرض ـ صياغة عقد، كتابة مذكرة، إعداد استشارة ـ فهي لا تقدّم نتيجة صحيحة ما لم تُزوّد مسبقًا بـ"أدوات تلقين" محددة. فطبيعة الذكاء الاصطناعي قائمة على البيانات؛ فإن صحّت صحت مخرجاته، وإن فسدت فسدت.
ومن ثم تتأكد أهمية العناية بما يُعرف بـ"حوكمة الذكاء الاصطناعي"، وهي الإطار الذي يُنظّم إدارة هذه التقنيات، وضبط مصادر تغذيتها، وآليات تحديثها، بما يعزز موثوقيتها ويحدّ من مخاطر الاعتماد عليها دون رقابة.
وفي هذا السياق تحديدًا، تتّضح حدود النماذج العامة، فهي وإن امتلكت قدرات لغوية واسعة، إلا أنها لا تعي الفوارق بين الأنظمة، ولا تدرك المصطلحات المهنية بدقّتها، وقد تقع بسبب ذلك في أخطاء جوهرية؛ وهو ما يبرز الحاجة الفعلية إلى النماذج القانونية المتخصصة مثل قانونية AI.
.jpg)
لماذا نستعمل الذكاء الاصطناعي في المجال القانوني؟
في المجال القانوني، تزداد أهمية الذكاء الاصطناعي كلما تمّت تغذيته ببيانات دقيقة ومحدّثة من مصادر نظامية موثوقة. فالنموذج لا يخرج عن حدود المعرفة التي يتلقّاها، فإذا كانت تغذيته صحيحة، أصبح قادرًا على دعم الأعمال القانونية بفعالية: من تحسين الصياغة، إلى بناء التحليل، إلى فهم العلاقات بين الأنظمة واللوائح..إلخ
وتقييم كفاءة أي نموذج قانوني يعتمد غالبًا على مجموعة من المعايير، مثل جودة الصياغة، سلامة البناء القانوني، قوة الاستدلال، ومدى خلوّ المخرجات من الهلوسة. ومع ذلك يبقى المعيار الأهم هو قدرة النموذج على إنتاج مخرجات قابلة للاستخدام الفعلي في العمل اليومي دون الحاجة إلى إعادة كتابة كاملة، أي مدى إمكانية اعتباره أداة فعّالة داخل دورة العمل القانوني.
ورغم أن بعض الممارسين يتخوّفون من إدخال الذكاء الاصطناعي في الأعمال المهنية، إلا أنّ النظرة الدقيقة تكشف أنه ليس بديلاً عن التفكير القانوني، بل امتداد طبيعي لتطور أدوات المهنة. تمامًا كما انتقل العمل القانوني من المجلدات الورقية إلى قواعد البيانات الإلكترونية، ينتقل اليوم إلى أدوات تحليل وصياغة مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وفي النهاية، لم تعد القيمة المهنية تُقاس بعدد الساعات أو مقدار الجهد المبذول، بل بجودة المخرجات ودقتها. والذكاء الاصطناعي، حين يُوظَّف بوعي ويُغذّى تغذية صحيحة، يصبح أداة تعزز هذه الجودة وتسرّع الوصول إليها، دون أن يمسّ جوهر الاجتهاد القانوني أو أصالته.

ولا يتوقف تميّز النماذج القانونية المتخصصة عند حدود المعرفة التي تُغذّى بها، بل يمتدّ إلى الأدوات التي تنظّم طريقة التفاعل معها. ومن هنا تظهر بعض الميزات التطبيقية داخل قانونية AI، بوصفها ترجمة عملية لهذا التخصّص في سياق العمل القانوني اليومي.
كيف تدعم قانونية AI الممارس القانوني؟
مثال (الأوامر الجاهزة): مختصر الخبرة القانونية في جملة واحدة
تمثّل "الأوامر الجاهزة" إحدى أهم الأدوات التي تعزّز القيمة العملية للذكاء الاصطناعي في المجال القانوني، إذ تعالج إشكالية جوهرية ترتبط بطبيعة هذا النوع من النماذج، وهي أن جودة المخرجات مرهونة بجودة السؤال وصياغته وحدود نطاقه. وفي الممارسة القانونية، يتباين أسلوب طرح الأسئلة بين المستخدمين، وتتباين معه دقة النتائج وعمقها، مما يفتح المجال لاختلافات مؤثرة في مستويات الجودة واتساق الأسلوب.
تقوم فكرة الأوامر الجاهزة على نقل طريقة التفكير المهني للقانوني الخبير إلى قالب ثابت، مهيكل، ودقيق، بحيث يوجَّه النموذج – في كل مرة – وفق منهجية واضحة لا تعتمد على الارتجال. فبدل أن يبدأ المستخدم من نقطة الصفر في كل سؤال، تتولى الأوامر الجاهزة تحديد الدور المطلوب من النموذج، وتعيين نطاق الأنظمة ذات الصلة، وبيان الهدف من المخرج، وفرض بنية تحليلية محددة تُعنى بالوقائع والمسائل القانونية والنصوص النظامية وتطبيقها، وصولًا إلى النتيجة والتوصيات.
وتكمن أهميتها في أنها تقلّل من أثر “الفوضى التحليلية” التي قد تنتج عن الأسئلة العامة أو غير الدقيقة، كما أنها تمنع تشتت النموذج في اتجاهات لغوية أو معرفية لا تخدم الغرض القانوني المقصود. فحين تُحدَّد الولاية القضائية، وطبيعة العمل، ونطاق التفصيل، ونوعية اللغة، يصبح المخرج أكثر قربًا من الأسلوب المهني المتوقع في الممارسات القانونية الرصينة.
أما من الناحية العملية، فإن الأوامر الجاهزة تسهم في رفع مستوى الدقة من خلال ضبط عناصر الإجابة، ومنع النموذج من إقحام افتراضات غير منصوص عليها، أو الاعتماد على مصادر غير مناسبة. كما تعزّز من جودة التحليل عبر فرض منهجية متسلسلة تبدأ بالوقائع وتنتهي بالنتيجة، وتضمن اتساق الصياغة اللغوية والمفردات المصطلحية بين مختلف المستخدمين داخل الجهة الواحدة. وهذا الاتساق يشكّل قيمة مهنية مهمّة، لاسيما في بيئات العمل المؤسسية التي تتطلب انسجامًا لغويًا وتحليليًا يتجاوز اختلاف الأساليب الفردية.
وباختصار، تُعدّ الأوامر الجاهزة آلية لتنظيم العلاقة بين المستخدم والنموذج، من خلال تحويل المعرفة المتخصصة والخبرة التراكمية إلى تعليمات ثابتة تحكم طريقة المعالجة الداخلية.
وبذلك، يصبح الذكاء الاصطناعي أقرب إلى "مساعد قانوني منهجي"، يدعم العمل القانوني بقدرة أعلى على التنظيم والدقة، ويقدّم مخرجات أكثر اتساقًا وقابلية للاستخدام المهني المباشر.
مثال عملي يوضح أثر الأوامر الجاهزة
.jpg)
يتضح من المثال أنّ استخدام الأمر الجاهز يمنح الذكاء الاصطناعي قدرة أعلى على تنظيم العمل القانوني؛ إذ يوجّهه منذ البداية إلى جمع البيانات الجوهرية، وربط الوقائع بأسباب الفسخ النظامية، ثم صياغة مذكرة متكاملة وفق منهجية تتسق مع متطلبات محاكم الأحوال الشخصية في المملكة العربية السعودية؛ هذه النتيجة ثمرة أمر مُصاغ بخبرة قانونية يحدد للنموذج ما يجب استحضاره من عناصر، وما ينبغي ترتيبه من خطوات، وما يجب الالتزام به من أسلوب ومرجعيات.
وبهذا يختصر الأمر الجاهز الوقت، ويعيد ضبط مسار الإجابة من اللحظة الأولى.

.jpg)

.webp)

.jpg)
