إثبات دخول شهر رمضان في المملكة: قراءة تحليلية في الحجية النظامية وآليات التنظيم
.png)
أثير الزهراني
February 16, 2026
February 16, 2026
February 16, 2026
تمت المراجعة بواسطة
أثير الزهراني
نبذه عن المؤالف
.png)
أثير الزهراني
كاتبة محتوى قانوني، محامية سابقًا، أخصائية قانونية ضمن فريق شركة قانونية، مهتمة بالتقنية القانونية وتطوراتها.
يثار في ذهن كثيرين، وإن لم يُطرح صراحة، تساؤل مشروع حول الكيفية التي نظّمت بها الدول المختلفة مسألة إثبات دخول شهر رمضان، في ظل تباين مواقعها الجغرافية واختلاف ظروفها الزمنية. فبين دول تُنشئ مجالس خاصة لتحديد بدايات الشهور القمرية، وأخرى تعتمد الحساب الفلكي، وثالثة تمزج بين الرؤية والتنظيم الإداري،
وفي هذا السياق، اختار المنظّم السعودي مسارًا واضح المعالم، يقوم على منظومة متكاملة تجمع بين المرجعية الشرعية، والاختصاص القضائي، والتنظيم الإداري، والدعم الفني، بما يحقق وحدة القرار ويمنع الاضطراب في الشعائر والمواعيد العامة.
ولا يُنظر إلى هذه المنظومة بوصفها إجراءً دينيًا مجردًا، بل باعتبارها إطارًا نظاميًا دقيقًا ينظم مسألة ذات أثر تعبدي واجتماعي وإداري بالغ، ويحدد على نحو صريح مصدر الحجية وحدودها.

الأساس الشرعي المؤطَّر نظامًا
اعتمد المنظّم السعودي الرؤية الشرعية الفعلية للهلال أساسًا لإثبات دخول الشهر وخروجه، وهو اعتماد يستند إلى نصوص قطعية من القرآن الكريم والسنة النبوية، ثم جرى تأطيره تنظيمًا من خلال منظومة نظامية تهدف إلى توحيد الإجراء وضبط آليات الإثبات.
ويأتي في مقدمة هذه التنظيمات لائحة تحري رؤية هلال أوائل الشهور القمرية الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم (143) لعام 1418هـ، بوصفها أداة تنظيمية، إذ نصّت المادة الثانية منها على أن: "المعتمد في دخول الشهر وخروجه الرؤية الشرعية حسب ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء"
وهو نص يقطع النزاع حول مصدر الحجية، ويمنح الرؤية الشرعية صفة الإلزام النظامي.
ويُلاحظ في هذا السياق أن ديباجة قرار مجلس الوزراء الصادر بالموافقة على اللائحة أحالت إلى قرارات هيئة كبار العلماء ذات الصلة، بما يؤكد أن التنظيم جاء تأكيدًا للأصل الشرعي لا منشئًا له.
توزيع الاختصاص بين الجهات
إذا كانت الرؤية الشرعية هي أساس الحجية، فإن السؤال النظامي التالي يتمثل في الجهة المختصة بإثباتها، والآلية التي تنتقل بها من مجرد واقعة مشاهدة إلى قرار ملزم للعموم.
- هيئة كبار العلماء: تقرير الأصل الشرعي المعتمد
- لجان التحري: الرصد الميداني المنظم
- المحاكم: سماع الشهادات والتحقق منها
- المحكمة العليا: الجهة القضائية المختصة بإصدار قرار الثبوت
- الديوان الملكي: الإعلان الرسمي الملزم
الوسائل الفنية في تحري الهلال وحدود الاستعانة بها
يفرّق النظام السعودي بوضوح بين الحجية والوسيلة:
- الرؤية الشرعية: دليل الإثبات الوحيد لبدء الشهر تعبديًا
- الحساب الفلكي: أداة مساعدة لا ترقى إلى مرتبة الدليل
ويُستفاد من الحساب الفلكي في:
- توجيه أماكن التحري
- نفي الشهادة المستحيلة فلكيًا
أما في حال إمكان الرؤية فلكيًا، فإن العبرة تبقى بالشهادة الفعلية لا بالحساب.

القيمة النظامية لتقويم أم القرى
يُعد تقويم أم القرى التقويم الرسمي للدولة في معاملاتها ومواعيدها، وقد أكدت على ذلك أنظمة ولوائح متعددة، أبرزها نظام المرافعات الشرعية ونظام الخدمة المدنية.
إلا أن هذه الحجية مدنية تنظيمية، ولا تمتد إلى العبادات.
ففيما يتعلق ببداية رمضان أو الحج، يبقى الإعلان الرسمي الصادر بناءً على قرار المحكمة العليا هو المرجع المعتمد، ولو خالف ما ورد في التقويم.
دور دائرة الأهلة في الحسم القضائي لإثبات دخول الشهر
وتكتمل المنظومة النظامية لإثبات دخول شهر رمضان بوجود جهة قضائية مختصة تتولى الحسم النهائي في مسألة ثبوت الرؤية، وهي دائرة الأهلة بالمحكمة العليا، ويأتي هذا الدور منسجمًا مع موقع المحكمة العليا بوصفها قمة الهرم القضائي في القضاء العام، وفقًا لنظام القضاء.
فبعد تلقي المحاكم لشهادات رؤية الهلال والتحقق الأولي منها، تُرفع هذه الشهادات إلى المحكمة العليا، حيث تنظر فيها دائرة الأهلة بوصفها جهة قضائية متخصصة.
ولا يقتصر دور هذه الدائرة على جمع الشهادات، بل تمارس رقابة قضائية كاملة على مدى توافر شروط الشهادة الشرعية، وسلامة الواقعة محل الشهادة، ومدى إمكان الرؤية من الناحية الواقعية، بما في ذلك الاستئناس بالبيانات الفلكية في نفي الشهادة المستحيلة دون أن تحل محل الرؤية الشرعية.
ويُعد ما تصدره دائرة الأهلة في هذا الشأن حكمًا قضائيًا بثبوت دخول الشهر أو عدمه، وليس مجرد إعلان تنظيمي أو إجراء إداري. ويترتب على هذا الحكم أثر عام، إذ يُبنى عليه الإعلان الرسمي الصادر لاحقًا، وتلتزم به جميع الجهات والأفراد.
وبهذا الدور، تنتقل مسألة دخول شهر رمضان من نطاق الترائي والاجتهاد الفردي إلى نطاق القضاء والقطع النظامي، وهو ما يفسر وحدة الإعلان الرسمي، وعدم الاعتداد بما يخالفه من رؤى فردية أو حسابات مسبقة أو تقاويم مطبوعة.
المراجع:
- القرآن الكريم، قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، سورة البقرة، الآية (185).
- السنة النبوية، حديث: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته…»، رواه مسلم (1081)، والنسائي (2124).
- لائحة تحري رؤية هلال أوائل الشهور القمرية
- نظام القضاء
- المادة الثامنة من نظام المرافعات الشرعية

.webp)

.webp)
