أشهر المعضلات في الحوكمة والسياسة العامة والتحليل الاقتصادي للقانون

د. عبدالرحمن بن نبيل الصالح
May 12, 2026
May 12, 2026
May 12, 2026
تمت المراجعة بواسطة
أثير الزهراني
نبذة عن المؤلف

د. عبدالرحمن بن نبيل الصالح
أستاذ قانون تجاري مساعد ومستشار في التخطيط والتطوير، تُعنى اهتماماته بحوكمة الشركات والتقنية المالية والتحليل الاقتصادي للقانون وتطوير التعليم القانوني.
“Too much law can produce too little order”
من أشهر المعضلات في مجال الحوكمة والسياسة العامة والتحليل الاقتصادي للقانون معضلة التضخم التشريعي (Legal Inflation); حيث تسود فكرة أن كثرة التشريعات أيًا كانت صورتها (قانون، لائحة، تنظيم، ضوابط، إلخ...) تؤدي إلى ضبط السلوك؛ لكن المفارقة هي أنه كلما زاد عدد التشريعات لضبط السلوك أو إصلاح المنظمة ونحوه، أصبح ضبط النظام والسلوك-على النقيض- أصعب وأكثر تعقيداً، وتحول التشريع من أداة إصلاح إلى عبء مؤسسي غير مرئي!

من أجمل التشبيهات في هذا السياق لمعالي الشيخ صالح الحصين رحمه الله -أحد فقهاء القانون السعوديين- في مقاله المعنون بـ"الإسراف في التقنين: عامل مؤثر في وجود الفساد الإداري" عندما شبّه التشريع بالمضاد الحيوي: يستخدم للضرورة؛ وبقدر الحاجة؛ وبعد موازنة بين المنافع والمفاسد. وهو ما يعرف في مجال التحليل الاقتصادي للقانون بقياس الأثر التشريعي (Regulatory Impact Assessment)
يعبر عنه معاليه بالغرام غير العادي لدى رجل الإدارة بفرض التشريع؛ على نحو يجعل المؤسسة بيئة مثالية لممارسات الفساد؛ إذ أن كثرة التشريعات تجعل من المنظمة أو المؤسسة بمثابة غابة من التشريعات التي تتطلب مزيداً من الملاحظة والانتباه (Increasing Attention Span) تقود بطريقة قهرية إلى انخفاض جودة الانتباه؛ مما يؤدي إلى حالة من الضياع والتوهان لدى الشخص المختص قبل العادي، وانتقائية في التطبيق، وعجز أو تكلفة مضاعفة للالتزام.
لا أحد ينكر النمط في العمل المؤسسي المتكرر بمواجهة المستجدات بالتشريعات: مشكلة حديثة حلها بلائحة، وحادثة فردية حلها بإجراء إضافي، وعندما يقع خطأ إداري يجد الموظف نفسه أمام ضابط جديد! مع مرور الوقت وعلى غفلة من المؤسسة تجد نفسها في تلك الغابة التنظيمية!

في نهاية المطاف ستجد تلك المؤسسة -التي شرّعتْ ما شرعت بالمخالفة لمبادئ الحاجة والضرورة التشريعية- بغية تنظيم سلوك ما أو إصلاح جانب آخر قد تحولت تشريعاتها إلى تعقيد، وتكلفة إضافية وبيئة أكثر قابلية للفساد. ولا يشفع لذلك نبل الغاية والهدف من التشريع ما يحدثه من آثار سلبية؛ يعد ملتن فريدمان (من أشهر علماء الاقتصاد في العالم) أنه من أعظم الأخطاء الحكم على السياسات بناءً على غاياتها وأهدافها لا من خلال نتائجها المترتبة عليها.
ما الحل؟ الحل ليس في تقليل التشريع فقط، بل في تحسين جودة التشريع وإدارته؛ وذلك بالإلزام بتقييم الأثر قبل إصدار أي تنظيم (RIA)، والتأكد من وجود بدائل غير تنظيمية، وقياس تكلفة الامتثال، وتقليل السلطة التقديرية عبر التبسيط والأتمتة، وتبني منهجية إلغاء أو تبسيط أنظمة قائمة مقابل أي نظام جديد (One-in One-out Rule)، ووضع تواريخ مراجعة أو انتهاء صلاحية للتشريعات لضمان عدم تراكمها (Sunset Clause) كل ذلك ونحوه بغية الانتقال بالمؤسسة من ثقافة “إصدار التشريع” إلى ثقافة “جودة التشريع وقابليته للتطبيق".

.webp)

