ما لا يسوغ نشره في الأحكام القضائية

وائل الحارثي
December 18, 2025
December 18, 2025
December 18, 2025
تمت المراجعة بواسطة
أثير الزهراني
نبذه عن المؤالف

وائل الحارثي
مستشار قانوني
مقدمة
تحيط بعملية النشر إطار قانوني يُنظم تلك العملية، كسائر الأنشطة والممارسات التي يتم تنظيمها ضمن إطار قانوني واضح، حيث أن غياب القوانين والأنظمة للمهام والأنشطة الرئيسية والمتكررة، قد يسبب فوضى في الممارسة والتطبيق، وإرباك لدى السلُطات المختصة حين الرغبة في معالجة أي إشكالات قد تنتج عن تلك الممارسة الغير منظمة، وهو ما قد يقود إلى اجتهادات غير موفقة تؤدي إلى ممارسات خاطئة، فنكون أمام خطأين ضمن هذا السياق، أو حالة نكون فيها أمام معالجة خطأ بخطأ مثله أو أشد.
إن غياب القوانين والأنظمة حين تأتي الحاجة إليها، يجعلنا أمام وصف واضح، يدخل ضمن مفهوم (الغياب التشريعي)، أو (الفراغ التشريعي)، وهو تحدٍ تواجهه كثير من الدول، ولا يمكن تجاوز هذا التحدي إلا بتغطية هذا الفراغ، من خلال قوانين واضحة في لفظها ودلالتها، يتم سنها استئناساً بأفضل الممارسات، أخذاً في الاعتبار الوضع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي وغيره من الجوانب التي يتم أخذها في الحُسبان بحسب القانون.
.jpg)
الإطار النظامي الحاكم للنشر في المملكة
وعَوداً على عملية النشر في المملكة العربية السعودية، فإنها محكومة ضمن إطار قانوني واضح كما أسلفنا، وهو نظام (المطبوعات والنشر) الذي ينظّم عملية الترخيص للنشر ومن ثم عملية النشر، وما لا يسوغ نشره ونحو ذلك، إضافة إلى نظام (حماية حقوق المؤلف) والذي يُحيط بالمصنفات إطار حمائي لا يُجيز النشر إلا وفق ضوابط محددة، أو يترتب على الناشر المخالف عقوبة وجزاء.
ولأن الاستثناء جزء من النظام، فقد استثنى نظام حماية حقوق المؤلف عدداً من المصنّفات من الحماية المذكورة في النظام، وبمعنى آخر أجاز نشرها دون شرط أو قيد، وهي على النحو الآتي:
"1- الأنظمة والأحكام القضائية، وقرارات الهيئات الإدارية، والاتفاقيات الدولية.
2- ما تنشره الصحف، والمجلات، والنشرات الدورية، والإذاعة من الأخبار اليومية، أو الحوادث ذات الصبغة الإخبارية.
3- الأفكار، والإجراءات، وأساليب العمل، ومفاهيم العلوم الرياضية، والمبادئ، والحقائق المجردة".
الإشكاليات القانونية المتعلقة بنشر الوقائع
ومن المهم الإشارة في هذا السياق، إلى أن نظام المطبوعات والنشر في مادته التاسعة، قضى "بعدم إفشاء وقائع التحقيقات أو المحاكمات، إلاّ بعد الحصول على إذن من الجهة المختصة". الأمر الذي يثور معه التساؤل حول جواز نشر وقائع التحقيقات والمحاكمات ضمن سياق نشر الأحكام القضائية من عدمه، وهذا تساؤل هو محل نقاش لدى الأوساط القانونية، يرى فيه بعض المختصين بعدم جواز النشر إعمالاً للنص النظامي آنف الذكر والذي يحظر ذلك، والبعض الآخر يرى بجواز النشر، تماشياً مع النص النظامي الذي يُجيز ذلك ضمن جواز نشر الأحكام القضائية.
ونحن نرجّح الرأي القائل بجواز النشر على إطلاقه، وذلك للأسباب التالية:
1- أن حذف وقائع التحقيقات والمحاكمة من الأحكام القضائية الجائز نشرها يُفرغ الهدف من نشر تلك الأحكام ، ومن ثم لا تتحقق الفائدة المتوخّاة من النشر، وهي توعية المختصين والباحثين والمهتمين بالوعي القانوني الذي يتحقق من خلال الأحكام المنشورة، ذلك أن وقائع التحقيقات والمحاكمة تعد من الأسس والجوانب الهامة التي تتناولها الأحكام القضائية، واستبعادها لا يجعل للحكم فائدة بعد النشر.
2- أن النشر المحظور لوقائع التحقيقات والمحاكمة، ينصرف في تصوري للقضايا القائمة، أي حظر النشر أثناء مرحلة التحقيق والمحاكمة، وليس بعده، ذلك أن نشر الوقائع أثناء تلك المرحلتين قد يؤثر على سير العدالة، بل قد يؤلب الرأي العام، بحسب طبيعة القضية المنظورة، أما بعد الانتهاء من تلك المرحلتين والحكم في القضية، واكتساب الحكم للصفة القطعية، فلا يوجد مانع نظامي من النشر.
3- أن مدونات الأحكام القضائية المنشورة، لم تحذف وقائع التحقيقات والمحاكمة من الأحكام القضائية التي يتم نشرها، وهو ما يؤكد مبدأ جواز النشر.
الضوابط المتعلقة بما لا يجوز نشره في الأحكام القضائية
وعن تحديد ما لا يسوغ نشره في الأحكام القضائية، فهو نشر الأسماء وأرقام الهويات وغيرها مما قد يؤدي إلى معرفة الشخص، ذلك أن نشر المعلومات الشخصية ضمن سياق نشر الأحكام القضائية يُعد تشهيراً، والتشهير عقوبة كما لا يخفى، من الواجب أن يتم ذكرها نصاً في النظام الذي يُجرّم الفعل ابتداءً، ومن ثم النص عليه في الحكم القضائي محل النشر، ويؤيد ذلك أن مدونات الأحكام القضائية قد روعي قبل نشرها حذف الأسماء وأرقام الهويات وغيرها من المعلومات الشخصية، إذ لا فائدة متحققة من نشرها، وتلافياً للوقوع في التشهير بعد النشر.
والله الموفق

.webp)
.jpg)

.webp)
.jpg)
