عندما تشتعل البحار: كيف تعيد الحروب تشكيل رسوم الشحن البحري قانونيًا؟

ريوف الرشيد
April 1, 2026
April 1, 2026
April 1, 2026
تمت المراجعة بواسطة
أثير الزهراني
نبذه عن المؤالف

ريوف الرشيد
طالبة حقوق بجامعة الملك سعود، ومتدربة في برنامج التدريب التعاوني لدى "قانونية"، مهتمة بالتقنية القانونية وتطبيقاتها.
مقدمة
في لحظات التوتر الجيوسياسي، لا تكون أولى الإشارات هي أصوات المواجهات، بل التغيّرات الصامتة التي تبدأ بالظهور في سلاسل الإمداد العالمية. هناك، بعيدًا عن العناوين الكبرى، تبدأ التكاليف بالارتفاع تدريجيًا، وتظهر بنود جديدة في فواتير الشحن، لم تكن يومًا ضمن الحسابات المعتادة. وهنا تحديدًا، تتحول التجارة البحرية من منظومة مستقرة نسبيًا إلى مساحة تتداخل فيها المخاطر مع الالتزامات، وتصبح الرسوم انعكاسًا لحالة عدم اليقين أكثر من كونها مقابلًا لخدمة محددة.

ما يتداوله المستوردون في هذه الفترة يعكس هذا التحول بوضوح. إحدى الحالات تشير إلى شحنة توقفت في ميناء دبي، مع خيارين أحلاهما مر: إما دفع ما يقارب عشرين ألف ريال لكل حاوية لنقلها بحرًا إلى الدمام، أو نقلها برًا بتكلفة قريبة من ذلك. المفارقة التي أثارت الاستغراب لم تكن في ارتفاع التكلفة بحد ذاته، بل في توقيته؛ فالشحنة قد عبرت بالفعل أحد أكثر الممرات حساسية، ومع ذلك استمرت الرسوم بالتصاعد. هذا المشهد لا يعبّر فقط عن ضغط تشغيلي، بل يطرح تساؤلًا قانونيًا دقيقًا حول حدود تحميل المخاطر: هل يُدفع ثمن الخطر لأنه وقع، أم لمجرد احتماله؟
تخيّل أنك مستورد لقطع غيار السيارات في الدمام، أو للمواد الغذائية في الرياض، أو للإلكترونيات في جدة. شحنتك وصلت إلى ميناء دبي بعد رحلة طويلة، ثم تفاجأ بفرض رسوم إضافية على الحاوية تحت مسمى "رسوم مخاطر الحرب"، قد تصل وفق ما تشير إليه ممارسات السوق إلى آلاف الدولارات للحاوية الواحدة.
هذه الزيادة لا تمثل مجرد تكلفة عابرة، بل تعكس تحولًا في توزيع المخاطر التعاقدية بين الناقل والمستورد، حيث تُنقل آثار التوترات الجيوسياسية مباشرة إلى التزامات مالية غير متوقعة. والنتيجة العملية لذلك هي ارتفاع تكلفة الاستيراد، وتآكل هوامش الربح، وظهور تحديات تشغيلية حقيقية، تدفع المستورد إلى إعادة تقييم قراراته: بين تمرير التكلفة، أو امتصاصها، أو البحث عن بدائل لوجستية مؤقتة.
في الممارسة العملية، تُبرَّر هذه الزيادات بما يُعرف برسوم مخاطر الحرب (War Risk Surcharge)، وهي رسوم تفرضها شركات الشحن استجابة لتصنيف بعض المناطق البحرية كمناطق عالية الخطورة. إلا أن ما يلفت الانتباه ليس وجود هذه الرسوم بحد ذاته، بل اتساع نطاقها وتعدد مكوناتها، حيث تمتد لتشمل التأمين، والتأخير، وإعادة التوجيه، وحتى الترتيبات الأمنية. وبهذا، لا تعود التكلفة مرتبطة برحلة الشحن فقط، بل بتقدير شامل لمجموعة من المخاطر التي قد لا تتحقق أصلًا، لكنها تُسعَّر وكأنها واقعة.
قانونيًا، تقف هذه الممارسات في منطقة دقيقة بين المشروعية والتجاوز. فالإطار الدولي للنقل البحري وفقا لقواعد لاهاي (Hague Rules) وقواعد هامبورغ (Hamburg Rules)، رغم تنظيمها لمسؤوليات الناقل، فهي لا تقدم معالجة تفصيلية لمسألة الرسوم الاستثنائية في أوقات النزاع، مما يفتح المجال للاجتهاد والاعتماد على مبادئ عامة مثل القوة القاهرة والظروف الطارئة. غير أن هذه المبادئ، وإن كانت تتيح تعديل الالتزامات في حالات معينة، لا تمنح تفويضًا مفتوحًا لإعادة تسعير العلاقة التعاقدية بالكامل. فالقوة القاهرة تُعنى أساسًا بالإعفاء من المسؤولية عند الاستحالة، لا بخلق التزامات مالية جديدة، بينما تسمح الظروف الطارئة بإعادة التوازن، لا بتحميل طرف واحد كامل العبء.
وهنا تبرز أهمية العقد، ليس بوصفه وثيقة شكلية، بل كأداة حاسمة لتوزيع المخاطر. فالعقود التي تتضمن بنودًا واضحة بشأن مخاطر الحرب وآليات تعديل الأسعار، تمنح شركات الشحن مساحة أوسع للتحرك، في حين أن غياب هذه النصوص يضعف من موقفها القانوني، ويفتح الباب للاعتراض والمساءلة. ولذلك، فإن كثيرًا من الإشكالات التي تظهر في الواقع لا تنشأ من الأحداث ذاتها، بل من الفراغ التعاقدي الذي يكشفه حدوثها.
لكن ما يجعل هذه المرحلة مختلفة هو أن النزاع لم يعد يُختبر فقط عند وقوع الضرر، بل عند توقعه. بمعنى أن الرسوم لم تعد مرتبطة بما حدث فعلًا، بل بما قد يحدث، وهو تحول جوهري في فلسفة التسعير. هذا التحول يضع المستوردين أمام معادلة صعبة: إما القبول بتكاليف متغيرة وغير مستقرة، أو البحث عن حلول بديلة قد تكون أكثر تعقيدًا، كما في حالات نقل البضائع برًا أو تخزينها مؤقتًا خارج وجهتها النهائية.

في النهاية، عندما تشتعل البحار، لا تتغير طرق الملاحة فقط، بل يُعاد تشكيل هيكل الالتزامات التعاقدية ذاته. فالمستورد اليوم لا يتحمل فقط تكلفة الشحن، بل يتحمل أيضًا تكلفة "احتمال الخطر"، حتى وإن لم يتحقق فعليًا. هذا الواقع لا ينعكس على المستورد وحده، بل يمتد إلى السوق ككل من خلال ارتفاع أسعار السلع وتذبذب استقرار سلاسل الإمداد.
ومن هنا، لم يعد الوعي القانوني خيارًا بل ضرورة عملية. إذ يتعين على المستوردين مراجعة عقودهم بعناية، خاصة ما يتعلق ببنود مخاطر الحرب، وآليات تعديل الأسعار، وشروط القوة القاهرة والظروف الطارئة، بما يضمن إعادة التوازن العقدي وتقليل التعرض لمثل هذه التكاليف المفاجئة.
فالتخطيط القانوني المسبق لم يعد ترفًا، بل أداة أساسية لإدارة المخاطر في بيئة تجارية تتسم بعدم اليقين.

.webp)


.png)