هل تُعد ملاحظات الممثل المالي والديوان العام للمحاسبة سببًا كافيًا لإيقاف الصرف؟
.jpg)
د.عمر الأنصاري
June 28, 2026
June 28, 2026
June 28, 2026
تمت المراجعة بواسطة
أثير الزهراني
نبذة عن المؤلف
.jpg)
د.عمر الأنصاري
خبير ومستشار قانوني
تبذل الجهات المختصة بالرقابة المالية على الجهات الحكومية جهودًا حثيثة ومهمة في تعزيز سلامة الإجراءات المالية وحماية المال العام، ومن ذلك الرقابة القبلية التي يباشرها الممثلون الماليون، والرقابة البعدية التي يتولاها الديوان العام للمحاسبة.
وهذه الجهود لها دورها الإيجابي في المنظومة الرقابية، وإن كانت -في كثير من الأحيان- قابلة للنقاش والمراجعة. وفي الواقع العملي نلاحظ أنَّ عدة جهات حكومية تعتمد اعتمادًا كليَّا على تلك الملاحظات في إيقاف الصرف، حتى في الحالات التي تكون فيها مقتنعة بجواز الصرف أو ترى أن للمطالبة أساسًا نظاميًا معتبرًا. ويأتي هذا المقال لإيضاح أنَّ ملاحظة الممثل المالي أو الديوان العام للمحاسبة ليست –في ذاتها– سببًا نظاميًا لإيقاف الصرف، وأنَّ على الجهة الحكومية دائمًا إسناد قرارها بالصرف أو عدمه إلى أساس نظامي راسخ، بصرف النظر عن أي ملاحظة رقابية. وسيفصِّل المقال أسباب ذلك من خلال القواعد القانونية المنظمة لدور الممثل المالي والديوان العام للمحاسبة في هذا السياق، والأحكام القضائية ذات الصلة، ثم ما ينجم عن سلوك الجهاز الحكومي من آثار عليه في هذا الشأن.
ففيما يخص الممثل المالي (ويعرف أيضًا بالمراقب المالي)، فإنَّ أحكامه المتعلقة بهذا الموضوع قد نُظِّمت في المادة (الثامنة) من نظام الممثلين الماليين، الموافق عليه بالمرسوم الملكي ذي الرقم (م/85) في 1380/9/20هـ (وهو النظام الذي ظلَّ نافذًا إلى وقت قريب من كتابة هذا المقال)، والفقرة (ب/2) من المادة (الثامنة) من نظام الرقابة المالية، الموافق عليه بالمرسوم الملكي ذي الرقم (م/122) في 1447/6/10هـ. ومفاد مجملِ ما ورد في هذه النصوص: أنَّ على الممثل المالي إجازة الصرف إذا تثبَّت من امتثال جهة الإدارة للأنظمة واللوائح والتعليمات المتصلة بالأمر، فإن اتفقت الجهة المعنية معه في ذلك كان بها، وإلًّا وجب عليه تنفيذ اعتماد عملية الصرف بناءً على توجيه من وزير الجهة أو المسؤول الأول فيها. وبعد ذلك تخطر الجهةُ الديوانَ العام للمحاسبة على ذلك خلال (30) يومًا من تاريخه؛ للتأكد من سلامة المعاملة واتخاذ ما يلزم. ويكون هذا الإخطار حسب نظام الممثلين الماليين (النظام السابق) من قبل الممثل المالي لا من جهة الإدارة نفسها، ويوجه إخطاره إلى وزارة المالية والديوان العام للمحاسبة (ديوان المراقبة العامة سابقًا). وهذا كلُّه يتعلق بالحالة الأصلية وهي خضوع الجهات الحكومية لرقابة الممثل المالي، ولا يتعلق -بطبيعة الحال- بالجهات التي ستطبق أسلوب الرقابة الذاتية كليًّا، وهو أسلوب رقابي جديد سيتاح قريبًا لبعض الجهات الراغبة في أن تكون مسؤولة تمامًا عن الرقابة المالية على عملياتها؛ وذلك وفق أحكام نظام الرقابة المالية الجديد (آنف الذكر) ولائحته التنفيذية الصادرة من وزارة المالية بالقرار الوزاري ذي الرقم (929) في 1447/10/19هـ، وهذا الخيار الرقابي الحديث يعزز مبدأ تحميل الجهات الحكومية مسؤولية مراقبة سلامة إجراءاتها المالية.
فبهذا يتأكد أنَّ المنظِّم لم يمنح الممثل المالي سلطة منع الجهة المختصة من اتخاذ ما تراه صحيحًا نظامًا، بل جعل من عمله أداةً رقابية تبدي ملاحظتها، وتتحقق من سلامة الإجراء، مع إبقاء القرار النهائي في نطاق مسؤولية الجهة صاحبة الاختصاص. وبما أنَّ الصلاحية النهائية هنا ليست لدى الممثل المالي، فيلزم من ذلك أن تضطلع الجهة بكامل المسؤولية في اتخاذ قرار الصرف وعدمه، وأن تتحمل ما يلحق ذلك من عواقب وآثار نظامية وقضائية. ومِمَّا يترتب على ذلك: عدم الاعتداد قضاءً باحتجاج الجهة بأنَّ عدم صرفها للمطالبات عائدٌ إلى امتناع الممثل المالي من إمضاء الصرف، بل على الجهة الحكومية أن تعتمد على حجج قانونية مستقلة، سواء كانت مسلِّمة بجواز الصرف أم لا. وقد قضى القضاء الإداري في أحكام متعددة بعدم الاعتداد باحتجاج الجهة برفض الممثل المالي للصرف؛ لافتقاد رفضها بذلك "السبب الصحيح" بصفته أحد أركان القرار الإداري. ومن ذلك الحكم الصادر من المحكمة الإدارية في القضية ذات الرقم (361/1/ق) في عام 1426هـ، وحكم محكمة الاستئناف الإداري في القضية ذات الرقم (1114/ق) في عام 1439هـ.
وأمَّا الديوان العام للمحاسبة (ديوان المراقبة العامة سابقًا) فإنَّ الاعتماد على الاحتجاج به من الجهات الحكومية لا يقل حضورًا عن الاحتجاج بالممثل المالي، بل قد يكون أكثر شيوعًا. وملاحظات الديوان تكون بعد إجراء عملية الصرف بمدة، بعكس ملاحظات الممثل المالي التي تكون قبل إجازة الصرف واعتماده. ويظهر من تصرفات بعض الجهات الحكومية أنَّها تتعامل مع ملاحظات الديوان كأنها مانع تنفيذي مباشر للعمليات المماثلة لاحقًا، مع أنَّ النصوص المنظمة لا تسند إليه هذا الدور. فبحسب نظام ديوان المراقبة العامة الموافق عليه بالمرسوم الملكي ذي الرقم (م/9) في 1391/2/11هـ (أو نظام الديوان العام للمحاسبة نظرًا لتعديل اسم الديوان إلى ذلك بناء على المرسوم الملكي الصادر برقم (م/178) في 1441/12/2هـ). فاختصاص الديوان بحسب (المادة السابعة) من نظامه هو "الرقابة اللاحقة على جميع إيرادات الدولة ومصروفاتها، وكذلك مراقبة كاف أموال الدولة المنقولة والثابتة، ومراقبة حسن استعمال هذه الأموال، واستغلالها والمحافظة عليها". وعند تقديم الديوان ملاحظاته إلى الجهة، فعليها أن تخبر الديوان بما اتخذته خلال مدة أقصاها شهر من استلام الملاحظة، وفق المادة (الحادية عشرة) من النظام. إلَّا أن ترد ملاحظة الديوان بما تراه من رأي مخالف مع بيان وجهة نظرها القانونية، وذلك أمر جرى به العمل، وتغلق به- في كثير من الأحيان- ملاحظات الديوان. وإذا اختلف الديوان بعد ذلك مع الجهة، فيجوز للجهة- إذا لم تقتنع برأي الديوان- أن يرفع الديوان الأمر إلى مقام الملك الكريم للفصل فيه، حسب المادة (الثالثة عشرة) من النظام (المعدلة بموجب المرسوم الملكي المتقدم ذكره).
فلكون الديوان العام للمحاسبة -كما تقدم- جهة رقابة ومتابعة وإبداء ملاحظات، لا جهة تلتزم بمسؤولية الحسم في شأن الصرف أو منعه، فعلى الجهة الحكومية أن تتحمل المسؤولية القانونية والقضائية لهذا القرار. وقد أكد ذلك أيضًا عدد من أحكام المحاكم الإدارية، ومنها: حكم المحكمة الإدارية في القضية ذات الرقم (1083/1/ق) في عام 1404هـ. بل إنَّ المحكمة الإدارية بالرياض -في حكمها على الدعوى الإدارية ذات الرقم (4925) في عام 1442هـ- رفضت ادعاء جهة حكومية بأن امتناعها عن صرف المطالبة المالية محل القضية ليس راجعًا إليها، بل كان ذلك بناء على ملاحظة سابقة من الديوان العام للمحاسبة، ونصت المحكمة بصراحة في ذلك الحكم على أنَّ الديوان "ليس له السلطة في المنع" وأنَّ المعني بالصرف أو إيقافه هو الجهة الحكومية، وهي التي تنظر إلى مدى صحة ملاحظة الديوان، فالمنع -إذن- منسوبٌ إليها، لا إلى الديوان، وعلى هذا حكمت المحكمة ضد تلك الجهة الحكومية ملزمةً إياها باستكمال إجراءات الصرف للمدعي وبأثر رجعي.
ومن خلال ما سلف بيانه، ومع ما لِملاحظات الممثل المالي والديوان العام للمحاسبة من أهمية كبيرة نابعة من اختصاصهم وخبرتهم في الشؤون المالية والمحاسبية، فإنَّه يظهر جليًّا أنَّ اعتماد الجهة كليًّا على تلك الملاحظات في إيقاف صرف المطالبات المالية يُعدُّ قرارًا مشوبًا بعيب السبب؛ لعدم اعتماده على مسوِّغ نظامي معتبر، واتكائه على ملاحظة رقابية لا تُنشئ مانعًا من الصرف، ولا تصلح سببًا لهدر حقٍّ مالي قد تقرُّ الجهة نفسها بأنَّه مستحق. ولهذا لا يعوِّل القضاء على مثل هذا المبرِّر في الامتناع، بل يلتفت إلى الحجج القانونية التي تستند إليها الجهة في المنع أو الإيقاف من حيث الأصل. فإذا كان الامتناع غير قائم على سند نظامي، قُضي ضد الجهة وأُلزمت بالصرف، وقد يمتد ذلك إلى الحكم بالصرف بأثر رجعي أو التعويض. ويضاف إلى ذلك ما يترتب على هذا النهج من آثار سلبية على الجهة، مثل تراكم المطالبات، وضعف الثقة في القرار الإداري والعلاقات الوظيفية والتعاقدية، فضلًا عن انعكاساته على التقرير السنوي للجهة وما يتضمنه من أحكام قضائية خاسرة، وعلى قوائمها المالية التي تظهر فيها المصروفات المتأخرة بما يؤثر في وضعها المالي وتقدير ميزانيتها.
وعليه، فإنَّ الواجب على الجهة -في ضوء ما تقدَّم- أن تراجع ما يردها من الممثل المالي والديوان العام للمحاسبة بعناية، دون أن تجعل منه سببًا مباشرًا لإيقاف الصرف. ونوصي في هذا الصدد بأن تعتمد الجهة منهجية واضحة لدراسة هذا النوع من الملاحظات دراسة نظامية ومالية متأنية، مع مراعاة الأحكام القضائية السابقة وتقدير المخاطر المالية اللاحقة، تمهيدًا لاتخاذ الإجراء المناسب نظامًا. ومن جانب صاحب المطالبة المالية، فله –عند امتناع الجهة عن صرف مطالباته– أن يطلب بيان مسوِّغها النظامي الصريح، وألّا يكتفي بإحالتها إلى ملاحظات رقابية ما لم تُظهر له الجهة أساسها النظامي المستقل. وفي جميع الأحوال، فإنَّ إحياء الحوار البنَّاء بين الجهة الحكومية والجهات الرقابية، وتبادل وجهات النظر حول الأسس النظامية والإجرائية، يُعدُّ ممارسة صحية تعزِّز جودة العمل المالي، وترسِّخ التكامل الحقيقي في المنظومة الرقابية، بما يرفع من مستوى الانضباط والشفافية، ويُسهم في الوقت نفسه في إحقاق الحقوق وإنجازها بكفاءة.
بقلم: د. عمر بن إسماعيل الأنصاري
25 مايو 2026م
هل لديك حالة مشابهة؟
استخدم قانونية AI لتحليل الأنظمة واللوائح ذات الصلة، ودعم قراراتك القانونية بمراجع موثوقة.

.webp)

.webp)
.png)
.png)
