كيف يكيّف النظام السعودي المحاكاة الساخرة؟

ندى المقبل
May 31, 2026
May 31, 2026
May 31, 2026
تمت المراجعة بواسطة
أثير الزهراني
نبذة عن المؤلف

ندى المقبل
أخصائية قانونية - مختصة ملكية فكرية - مهتمة بالدراسات والبحوث القانونية
المحاكاة الساخرة، أو ما يُعرف في الأوساط الفنية والأدبية بـ "الباروديا"، هي فنٌّ قديم متجدد، يرتكز في جوهره على محاكاة أسلوب عمل أصلي سابق محمي، سواء تمثل ذلك في إعادة إنتاج صور أيقونية مقتبسة من فيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني، أو تقليد زوايا التصوير وحركات الشخصيات بطريقة هزلية أو نقدية. ويمكن تعريف هذا الأثر بأنه كل نتاج أدبي أو فني يرتكز على التهكم الذي يثير الضحك والسخرية من خلال التناص مع عمل معروف.
ورغم الأهمية البالغة لهذا الفن باعتباره أداة أصيلة للتعبير عن الرأي والنقد الاجتماعي، إلا أنه يضعنا مباشرة أمام إشكالية قانونية بالغة التعقيد، تقع عند تقاطع طريق حرج بين حرية التعبير الفني المباحة، والتعدي على حق المؤلف، والتشهير بالآخرين وإيذائهم؛ الأمر الذي يثير تساؤلاً جوهريًا في الأوساط القانونية: هل تُعد المحاكاة الساخرة تعدياً على حقوق المؤلف المالية والأدبية؟ وكيف ضبط المنظم القانوني الحد الفاصل بين الإبداع والاعتداء؟
.png)
عند إنزال هذه الإشكالية على البيئة التشريعية في المملكة العربية السعودية، نجد أن نظام حماية حقوق المؤلف السعودي لم يرد فيه نص صريح ومباشر يتناول "المحاكاة الساخرة" أو "الباروديا" أو "الكاريكاتير" كاستثناء مستقل، مما يفتح الباب لتفسير المشروعية بناءً على القواعد العامة والاستثناءات المقيدة في النظام. فمن الناحية الموضوعية، تصنف المحاكاة الساخرة قانونياً كـ "مصنف مشتق"، وهو ما عرفته المادة الأولى من النظام بأنه: "كل مصنف يوضع استناداً إلى مصنف آخر سابق له". ورغم أن النظام في مادته الثالثة يمنح الحماية للمصنفات المشتقة، إلا أن المبدأ العام المقر نظامًا يقضي بأن إنتاج هذه المصنفات هو حق خالص واستئثاري للمؤلف الأصلي، ولا يجوز لغيره الإقدام عليه دون إذن مسبق.
ومع ذلك، يسعى الفقه القانوني لإيجاد مظلة مشروعية للمحاكاة الساخرة عبر البحث في ثنايا الاستثناءات الواردة على حق المؤلف، وتحديداً ما نصت عليه المادة الخامسة عشرة في فقرتها الثانية، والتي تجيز "الاستشهاد بفقرات من ذلك المصنَّف في مصنَّف آخر". وحيث إن المحاكاة الساخرة تعتمد بطبيعتها على اقتباس ملامح أو أجزاء من العمل الأصلي لغرض النقد أو التعليق، فإن هذا الاستثناء قد ينطبق عليها بشرطين جوهريين: أولهما أن يكون الاستشهاد متمشياً مع العرف، وثانيهما أن يكون بالقدر الذي يسوغه الهدف المنشود؛ وهو معيار مرن يخضع تقديره موضوعياً للسلطة التقديرية للقضاء. في المقابل، يصعب إدراج هذه الأعمال تحت الاستثناءات الأخرى الواردة في المادة نفسها، مثل الاستعانة بالمصنفات للأغراض التعليمية والإيضاحية (كما في الفقرتين الثالثة والتاسعة)، أو نقل مقتطفات قصيرة في الكتب المدرسية أو التاريخية؛ نظرًا لأن المحاكاة الساخرة غالباً ما تخرج عن السياق الأكاديمي، وتأخذ طابعاً ترفيهيًا أو تجاريًا.
وعلى الصعيد الدولي، تتكامل هذه الرؤية مع الاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها المملكة، والتي تضع معايير صارمة لتقييد حقوق المؤلف بما لا يضر بالمبدعين. وتبرز هنا المادة العاشرة من معاهدة الويبو بشأن حق المؤلف، والمادة الرابعة (ثانياً) من الاتفاقية العالمية لحقوق المؤلف، واللتان تؤطران ما يُعرف دولياً بـ "الاختبار الثلاثي الخطوات" (Three-Step Test) ويقضي هذا المعيار الدولي بوجوب حصار أي استثناء وطني في حالات خاصة لا تتعارض مع الاستغلال العادي للمصنف الأصلي، ولا تسبب ضررًا بغير مبرر للمصالح المشروعة للمؤلف. وبالتطبيق على المحاكاة الساخرة، فإنها تكتسب مشروعيتها الدولية إذا لم تكن سبيلاً لمنافسة العمل الأصلي تجاريًا أو حرمان صاحبه من عوائده المالية
تأسيساً على ما تقدم، نخلص إلى أن غياب النص الصريح على "المحاكاة الساخرة" في نظام حماية حقوق المؤلف السعودي يفرز حالة من عدم اليقين القانوني، وينقل عبء التكييف والفصل إلى سلطة القضاء الموضوعي، الذي يزن كل حالة بمفردها بناءً على حجم الاقتباس، والهدف منه ومدى توفر القصد الكيدي أو الإضرار بالحقوق الأدبية والمالية للمؤلف الأصلي. وبناءً على هذه المعطيات، فإن البيئة القانونية الحالية تستوجب من صناع المحتوى والفنانين توخي الحذر الشديد، واستشارة القانونيين المختصين بالملكية الفكرية قبل نشر أو إنتاج أي عمل يعتمد على المحاكاة الساخرة، لاسيما إذا كان موجهاً للاستغلال التجاري أو التسويقي؛ تلافياً للمساءلة القضائية وضماناً لسلامة الإبداع الفني تحت مظلة النظام.

.png)


