رمضان في المملكة العربية السعودية:
.png)
دانا العمري
February 25, 2026
February 25, 2026
February 25, 2026
تمت المراجعة بواسطة
أثير الزهراني
نبذه عن المؤالف
.png)
دانا العمري
دانا العمري، أخصائية قانونية في منصة قنونية، متخصصة في صياغة المقالات والمحتوى القانوني تمتلك خبرة في مجالات العمل والشركات والعقود،كما تُعنى بـ التقنية القانونية وتطورها في المملكة العربية السعودية
رمضان في المملكة العربية السعودية ليس مجرد شهر ديني؛ بل هو فترة يتغيّر فيها إيقاع الحياة في البلاد بأكملها. تتبدّل الروتينات اليومية، تُخفَّض ساعات العمل، تنشط الأسواق، وتزداد اللقاءات العائلية.
وباعتبارها موطن المسجد الحرام والمسجد النبوي، تحتل المملكة مكانة خاصة في العالم الإسلامي. وخلال رمضان، تتجلى هذه المسؤولية بصورة أوضح. فالإيمان يشكّل الأجواء العامة، لكنه يحظى كذلك بدعمٍ من أطر قانونية وتنظيمية واضحة.
في السعودية، يلتقي البعد الروحي بالبنية النظامية في تناغمٍ فريد.
كيف يبدأ رمضان رسميًا
في كل عام، ينتظر الجميع إعلانًا مهمًا: تأكيد دخول شهر رمضان.
في المملكة العربية السعودية، يُحدَّد بدء الشهر بناءً على الرؤية الفعلية لهلال الشهر. وهذا المبدأ مستند إلى التعاليم الإسلامية التي تربط الصيام برؤية الهلال.
إلا أن هذه العملية لا تُترك للاجتهاد الفردي؛ بل تُنظَّم من خلال إطار قانوني رسمي يضمن وحدة القرار واتساقه.
وتخضع هذه الإجراءات لـ لائحة تحري رؤية هلال أوائل الشهور القمرية الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم (143) لعام 1418هـ. وتؤكد اللائحة أن الأساس الرسمي لتحديد بدايات ونهايات الشهور القمرية هو الرؤية الشرعية للهلال وفق ما يقرره مجلس هيئة كبار العلماء. وبعبارة أخرى، فإن اللائحة لا تنشئ حكمًا جديدًا، وإنما تنظّم مبدأً شرعيًا قائمًا وتمنحه أثرًا نظاميًا ملزمًا.
عمليًا، تقوم لجان تحري الهلال برصد السماء في اليوم التاسع والعشرين من شهر شعبان، وتتلقى المحاكم المحلية شهادات من يدّعي رؤية الهلال للتحقق منها. ثم تُحال المسألة إلى المحكمة العليا التي تراجع الأدلة وتصدر القرار القضائي النهائي بشأن ثبوت دخول الشهر. وبناءً على هذا القرار، يُعلن رسميًا بدء رمضان.
ورغم أن تقويم أم القرى هو التقويم المدني الرسمي المعتمد للأغراض الإدارية، إلا أنه لا يحدد بداية رمضان من الناحية الشرعية؛ إذ تظل المرجعية الحاسمة هي التأكيد القضائي لرؤية الهلال.
إنها لحظة روحانية، لكنها أيضًا لحظة قانونية. وما إن يُعلن القرار، حتى يتكيّف إيقاع البلاد بأكملها.

إيقاع مختلف للعمل
خلال رمضان، يختلف يوم العمل.
يُخفّض نظام العمل السعودي ساعات العمل للموظفين إلى ست ساعات يوميًا أو ستٍ وثلاثين ساعة أسبوعيًا، كما تُعدّل الجهات الحكومية جداولها الزمنية.
هذه التغييرات ليست مجرد قرارات إدارية؛ بل تعكس إدراكًا لكون الناس صائمين، ويكثرون من الصلاة ليلًا، ويقضون وقتًا أطول مع عائلاتهم. فالنظام يفسح المجال للعبادة والراحة والتأمل.
وهو تذكير بأن الإنتاجية والروحانية لا يجب أن تكونا في حالة تعارض.
النشاط التجاري وحماية المستهلك
يُعد رمضان من أكثر المواسم نشاطًا في الأسواق السعودية. إذ ترتفع معدلات الإنفاق على المواد الغذائية والهدايا وأعمال الخير، وتنشط الحركة التجارية في مختلف مناطق المملكة.
ولحماية المستهلكين خلال هذه الفترة، تعتمد الجهات المختصة على نظام حماية المستهلك المالي الذي يضع قواعد واضحة لضمان العدالة والشفافية وحسن المعاملة في المعاملات المالية والتجارية.
كما تكثّف وزارة التجارة جولاتها الرقابية خلال رمضان، وتشمل أعمال الرقابة:
- الزيادات غير المبررة في الأسعار
- الخصومات الوهمية أو المضللة
- الغش التجاري
- توافر السلع الأساسية
تسهم هذه الإجراءات في ضمان معاملة المستهلكين بعدالة، خصوصًا في شهر يقوم على الثقة والعطاء. وعلى المنشآت التأكد من التزام عروضها وأسعارها وإعلاناتها بأحكام النظام.
.jpg)
الحياة المالية مستمرة
حتى في هذا الموسم الروحي، تبقى الأسواق المالية نشطة.
تُعدَّل ساعات التداول في السوق المالية السعودية (تداول)، وتُعيد الشركات تنظيم جداولها، لكن الالتزامات التنظيمية تظل قائمة. فالشفافية والإفصاح والامتثال لا تتوقف.
ويُظهر رمضان أن التأمل الروحي والاستقرار الاقتصادي يمكن أن يتعايشا معًا.
روح العطاء
بالنسبة لكثيرين، يُعد رمضان شهر العطاء.
تزداد مدفوعات الزكاة، وتتوسع الحملات الخيرية في أنحاء المملكة. وتشرف هيئة الزكاة والضريبة والجمارك على الزكاة والالتزامات المرتبطة بها لضمان الحوكمة والامتثال.
كما تخضع الجمعيات الأهلية وحملات جمع التبرعات لـ نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية ولوائحه المنظمة، والتي تشترط الترخيص والرقابة النظامية والشفافية المالية.
وتضمن هذه الضوابط أن يتم العطاء الخيري، خصوصًا في رمضان، ضمن بيئة قانونية منظمة ومسؤولة.
أجواء مشتركة
عند التجول في أي مدينة سعودية خلال رمضان، يمكن الشعور بأجوائه المميزة: السكون قبل أذان المغرب، صوت الأذان، هدوء الشوارع وقت الصلاة، والتجمعات الليلية بعد صلاة التراويح.
وتنظّم الجهات المختصة إدارة الحشود في مكة المكرمة والمدينة المنورة، لا سيما في العشر الأواخر من الشهر. وتُحافظ على النظام العام مع احترام خصوصية الأجواء الروحية.
رمضان لا يُفرض؛ بل يُعاش.
تقاليد في عصر حديث
في ظل رؤية السعودية 2030، تواصل المملكة مسيرتها نحو التحديث. ويشهد رمضان اليوم استخدام التبرعات الرقمية، والتسوق الإلكتروني، وتطبيقات التوصيل، والخدمات الذكية التي تسهّل الحياة اليومية.
ومع ذلك، تبقى جوهر التجربة كما هو: إيمان، وأسرة، وعطاء، وتأمل.
فالتقنية تدعم التجربة؛ لكنها لا تستبدلها.
الخاتمة
يمثل رمضان في المملكة العربية السعودية نموذجًا واضحًا لكيف يمكن للنظام والعبادة أن يدعما بعضهما بعضًا.
تُخفّض ساعات العمل، وتُراقب الأسواق، ويُنظَّم العمل الخيري، وتُدار الفضاءات العامة. يحدث كل ذلك بهدوء، في الخلفية، ليتمكن الناس من التركيز على ما هو أهم.
في المملكة، لا يُمارس رمضان فحسب؛ بل يُدعم بعناية وتنظيم.


.png)
.webp)
